الفونيم وما وراءه من بيانات وتعليقات
 

الفونيم وما وراءه من بيانات وتعليقات

هشام الدين بن محمد يوسف
مركز الخدمات الأكاديمية


من الملاحظ في دراسة أية لغة من اللغات، أن مجموعة من الأصوات التي قد تختلف فيما بينها من ناحية المخرج أو الصفة، ينظر إليها من ناحية الكتابة والمعنى المعجمي، كما لو كانت صوتا واحدا. وذلك مثل صوت ( النون ) في اللغة العربية مثلا : قد لاحظنا من قبل أن ما يسمى بصوت النون في لغتنا العربية يندرج تحته عدد من الأصوات، يختلف فيما بينه في المخرج إلة حد ما: فالنون الموجودة في كلمة : ( نقول ) مثلا غيرها في ( إن ثار ) أو ( إن ظهر ) أو ( إن قام ) وغير ذلك من الأمور(1) . وهذه الأصوات المختلفة المخارج، نطلق عليها جميعا اسم (( صوت النون )).

ومثال ذلك أيضا، أن السين في كلمة : "سماء" تختلف من ناحية الصفة، عنها في كلمة "سطاء" مثلا، فهي في الثانية ذات قيمة تفخيمية، ليست في الأولى: ومع ذلك فإننا نسمي كل واحدة منهما سينا، ونرمز لها في الكتابة برمز واحد. وهذه الأصوات المختلفة، التي يعبر عنها في الكتابة برمز واحد، ولا تستخدم في اللغة للتفريق بين المعاني المختلفة، هي ما يطلق عليه الغربيون اسم (( فونيم )) phoneme = وحدة صوتية / عائلة صوتية. وفي إمكاننا نحن أن نطلق عليه اسم (( حرف )) على المقصود الرمز الكتابي، لأن نعمل بذلك على التفريق بين الاصطلاحين (( صوت )) و(( حرف )).

فالصوت هو ذلك الذي نسمعه ونحسه، أما الحرف فهو ذلك الرمز الكتابي، الذي يتخذ وسيلة منظورة، للتعبير عن صوت معين، أو مجموعة من الأصوات لا يؤدي تبادلها في الكلمة، إلى اختلاف المعنى.

 مفاهيم الفونيم.
قبل أن نتكلم أكثر عن الفونيم، فالأحسن أن نأتي بتعاريف عديدة عن الفونيم.
قال فردناند دي سوسير : الفونيم أو الصويت من حيث هو كيان مجرد، عبارة عن آثار سمعية وعن حركات ملفوظة مقطعة لوحدة مسموعة ووحدة ملفوظة، وكلا هذين يستتبع أحدهما الآخر، ويشترط وجوده : فمن هنا يتبين أن الفونيم هو وحدة معقدة لها قدم ضاربة في كل سلسلة ([ مسموعة  ------- ملفوظة ])(2) .

قال تمام حسان : الفونيم هو وحدة صوتية صغيرة التي تحصل من عمليات النطق السليم، وقد عبرت في شكل "الحرف"(3) .

قالت لطيفة إبراهيم النجار : الفونيم هو الشيء المحصول من النظام الصوتي ( أجهزة مخارج الحروف العربية ) التي لها علاقة وطيدة والنطق السليم وما أرادها اللغويون العرب في العصر القديم، ولكنها لا تعمل إلا إدخالها إلى المستويات الأخرى(4) . سيأتي الكلام عنه بعد قليل.

قال أحمد مختار عمر: الفونيم هو وحدة متميزة الصغرى التي يمكن تجزئ سلسلة التعبير إليها(5) .

فمن هذه النظريات العديدة يرى الباحث أم الكلام يحتوي على تيار مستمر من الأصوات داخل المجموعات النفسية، ولا تنفصل الأصوات أو الكلمات الواحدة عن الأخرى عن طريق التوقف أثناء الكلام، ولكن كلا منهما يجب أن يستخلص من كم متصل. ومن الممكن إذا تدرجنا من البسيط إلى المركب فالأكثر تركيبا أن نقسم الوحدات الصوتية أو وحدات التعبير الأساسية إلى ما يلي :

  1. (phoneme) الفونيم ، هو وحدة صوتية صغرى (الأسس)، وهنا نقول الوحدة الصغرى هي الصوت الكلامي (speech sound) أو الفون (phone) .
  2. المقطع (syllable) ، هو أيضا الوحدة الصغرى لأنه يرفض تقسيم الكم المتصل إلى أصوات، لأن الأصوات ليست لها وجود مستقل في الكلام.
  3. مجموعة النبر (stress group) أو القدم الصوتي (phonetic foot) ، وهي عبارة عن تتابع من المقاطع يتميز واحد منها، وهو المقطع المنبور باحتوائه على قدر أكبر من ضغط الرئة بالنسبة للمقاطع الأخرى. قد تكون المقاطع الأخرى غير منبورة أو نصف منبورة، ويتفاوت القدم في طوله حتى يبلغ أربعة مقاطع وقد تصل إلى ستة.
  4. المجموعة النغمية (tone group) ، هي تحتوي على قدم أو أكثر.
  5. المجموعة النفسية (breath group) ، وهي تتابع صوتي تحدد بدايته ونهايته طاقة النفس، والظاهرة الطبيعية للنفس تحكم الحد الأعلى للطول الممكن للمجموعة النفسية. ولكن حدها الأدنى هو مقطع واحد. وينظم المتكلم المجموعات النفسية لتناسب تقسيمات المعاني.
    ويضع بعضهم هذه الوحدة بعد المقطع مباشرة، ويرى أنها سلسلة من المقاطع تنطق مع زفرة نفس واحدة، وأنها تتطابق عادة مع شكل تنغيمي معين.
  6. ومن اللغويين من يرى أن الوحدة الصوتية المتماسكة تتمثل في الفونيم والمقطع فقط، ولهذا فهو يقف عندهما ولا يرتقي في سلم التدرج إلى ما هو أعلى، خاصة وأن إمكانيات التقسيم غير محدودة، إذ لا يوجد مكان منطقي للتوقف بين الفونيم والكم المتصل.

    وكذلك مما يؤيد الوقوف عند المقطع أن أي مستوى أعلى من هذا يرتبط بوجه ما بالمعنى، ووحدات الصوت  التي تعالجها علم الأصوات تعد أساسا غير مشتملة على معنى. أما الوحدات ذات المعاني فتقع في اختصاص علوم أخرى غير الأصوات.

مكونات الفونيم.
فهناك للغويون من نظر إلى الفونيم على أنه كل موحد غير قابل للتحليل، ومعظمهم يقول أن الفونيم (( أسرة )) أو (( مجموع )) أو (( وحدة صوتية )) تجمع تحتها متعددات، منها: الأصوات (sound )، فالفونيم حينئذ أشبه بالنوع الذي يجمع تحته أفراده، أو هناك من يقول هو ملامح صوتية مميزة (distinctive features )، أو تجمعات من الخصائص النطقية، فالفونيم حينئذ أشبه بالفرد من أفراد النوع الذي يحوي من الصفات العامة المشتركة ما يضمه إلى شكله، ويحوي من الخصائص الفردية ما يميزه عن غيره.  ففي الحالة الأولى يكون الناتج شسئا ماديا، أو صوتا فعليا قابلا للتحليل مرة أخرى إلى عناصر أو مكونات. أما في الحالة الثانية، فيكون ملمحا أو كيفية نطقية لا وجود لها بمفردها، وإنما هي بانضمامها إلى غيرها من الملامح تشكل الصوت اللغوي.
فهنا تحليلان في الكلام عن نشأة الفونيم:

(1) تحليل الفونيم إلى ألوفونات.
المراد بالألوفونات هي أفراد أو أعضاء الفونيم(6) ، أو نسميها أيضا تنوعات مشروطة. وقد عرفها بعضهم أيضا بـ كل مظهر مادي مختلف للفونيم مثلا صوت النون الذي يكون بين أسناني في tenth وطبقيا في inch ولثويا في tint . فالقاعدة المناسبة لهذه النظرة هي ( الفونيم يشتمل على مجموعة من الأصوات المتشابهة، أو التنوعات الصوتية التي يتوقف استعمال كل منها أساسا على موقعه في الكلمة، وعلى الأصوات المجاورة ) وهذا ببساطة يعتمد على ناحيتين :
( أ ) ناحية انتمائه إلى فونيم معين.
(ب) ناحية تحديد البيئة الصوتية التي يقع فيها.

(2) تحليل الفونيم إلى ملامح تمييزية.
أصحاب هذا الرأي يعرفون الفونيم على أنه ( تجمع من الملامح التمييزية مثل الجهر والوقف والانفية والاحتكاك ) أو ( حزمة من الملامح تتميز عن الجزم الأخرى، أو تجمعات الملامح الأخرى ) أو ( سلسلة من الاختيارات الثنائية). هذا المنهج الذي يحلل الأصوات بالنظر إلى ملامحها التكوينية ليس منهجا تركيبيا بنفس المعنى الموجود في التحليل السابق. وعلى هذا فإن تشبيه القونيم بالنغمات المتآلفة في الموسيقى، والملمح المميز بالنغمة التي تشكل مع غيرها مجموع النغمات يعد تشبيها غير دقيق. إن وحدات هذا التحليل يمكن أن تؤخذ – لا على أنها نتاج تحليل مقطع أو كلمة أو وحدة أكبر إلى جزيئات متتالية، وإنما على أنها نتاج وحدات حللت إلى ملامح متزامنة، وعلى هذا فإطلاق اسم التحليل الفونيمي هلى هذه الطريقة فيه شيئ كبير من التوسع.

خصائص الفونيم.
للفونيم خصائص عديدة، منها :
الخاصية العقلية :
الخاصية العقلية أو النفسية هي خاصية تعتبر الفونيم (( صوتا نموذجيا ))، يهدف المتكلم إلى نطقه، ولكنه ينحرف عن هذا النموذج إما لأنه من الصعب أن بنتج صوتين مكررين متطابقين، أو لنفوذ الأصوات المجاورة. وممن تبناها Trubetzkoy في مرحلة متقدمة من عمره، فقد عرف الفونيم أولا على أنه ( الصورة العقلية للصوت ) أو أنه أفكار صوتية.

الخاصية المادية :
الفونيم هو أسرة من الأصوات – في لغة معينة – متشابهة الخصائص، ومستعملة بطريقة لا تسمح لأحد أعضائها أن يقع في كلمة. والتشابه في فونيم يدعى أن يكون أكوستيكيا، زقد يكون عضويا : فمن النوع الأول الهمزة والتاء اللتان ربما نسبتا إلى فةنيم واحد في بعض أنماط اللغة العربية.

الخاصية الوظيفية :
نجد تحت الخاصية الوظيفية أكثر من اتجاه :

  1. بعضهم شرح الفونيم مشيرا إلى وظيفته كوحدة مناسبة للتعبير الألفبائي، ويعتمد الشرح على أن الفونيم مجموعة من أصوات الكلام متماثلة تقريبا، بشكل كاف لأن تعالج كوحدة لأغراض ألفبائية.
  2. معظمهم شرح الفونيم مشيرا إلى وظيفته الأساسية في التفريق بين المعاني بأن كل صوت قادر على إيجاد تغيير دلالي.
  3. عضهم أشار في التعريف إلى وظيفته في تركيب اللغة، وفي التمييز بين كلماتها.

الخاصية التجريدية :
أما الخاصية التجريدية فتعتبر الفونيمات مستقلة استقلالا كاملا عن الخصائص الصوتية المرتبطة بها.

تحقق الفونيم.
من ذهبوا إلى أن الفونيم (( أسرة من الأصوات )) فالفونيم ليس صوتا منطوقا، سواء عند من نظروا إليه نظرة تجريدية أو عقلية أو فزيائية. إنما الذي ينطق ويتحقق وجوده هو أفراده. فالفونيم إذن لا يتحقق بنفسه، وإنما بوجود أفراده. أما الاستعمال الفونيماتيكي فهو التمثيل أو تحقيق ( الفونيم بالنطق ). وأفراد الفونيم المقصودة هنا هي كالآتي :

  1. أعضاء.
  2. أو ألفونات.
  3. و تنوعات مشروطة.

ويخلص الكلام هنا : حين يملك الفونيم أكثر من عضو، فهناك واحد من الأصوات يبدو أكثر أهمية من الأخرى ربما لأنه أكثر شيوعا، أو لأنه يستعمل في حالة الانفصال، أو لأنه وسط بين الأعضاء المتطرفة. هذا العضو يسمى العضو الأساسي principal member أو معيار الفونيم norm of the phoneme . أما الأعضاء الأخرى فقد أطلق عليها عدة أسماء :

  1. أعضاء مساعدة            subsidiary members
  2. أو ألوفونات مساعدة      subsidiary allophones
  3. أو تشعبات                 divergents
  4. و تنوعات فرع فونيمية   sub – phonemic varian

دور الفونيم مع الأمثلة المناسبة.
يلعب الفونيم دورا مهما في وضع التفريق بين الأصوات، والآن تعرف تلك الأصوات بالحرف، كما قال ابن جني ( اعلم أن الصوت عرض يخرج مع النفس مستطيلا متصلا، حتى يعرض له في الحلق والفم والشفتين، مقاطع تثنيه عن امتداده واستطالته فيسمى المقطع أينما عرض له حرفا. وتختلف أجراس الحروف، بحسب اختلاف مقاطعها، وإذا تفطنت لذلك وجدته على ما ذكرته لك، ألا ترى أنك تبتدئ الصوت من أقصى حلقك، ثم تبلغ به أي المقاطع شئت، فتجد له جرسا ما، فإن انتقلت عنه راجعا منه، أو متجاوزا له، ثم قطعت، أحسست عند ذلك صدى غير الصدى الأول، : وذلك نحو الكاف، فإنك إذا قطعت بها، سمعت هنا صدى ما، فإن رجعت إلى القاف سمعت غيره، وإن جزت إلى الجيم، سمعت غير ذينك الأولين )(7) .

أصوات اللغة العربية.
وفي هذا المجال، يريد الباحث الحديث عن مميزات اللغة العربية، وهو ينقسم إلى عدة أقسام :
فونيمات اللغة العربية الفصحى :
تحتوي اللغة العربية الفصحى على خمسة وثلاثين فونيما تركيبيا، موزعة على النحو التالي :

  1. ثلاثة فونيمات للعلل القصيرة. Short vowels
  2. ثلاثة فونيمات للعلل الطويلة.long vowels
  3. فونيمات لأنصاف العلل. Semi vowels
  4. سبعة وعشرون فوينما للسواكن.consonant

فالعلل القصيرة تحتوي على الكسرة القصيرة والضمة القصيرة والفتحة القصيرة.
والعلل الطويلة تحتوي على الكسرة الطويلة والضمة الطويلة والفتحة الطويلة.
وأنصاف العلل تحتوي على الواو والياء.
والسواكن كما هي المعلومة الحروف ( الهجائية ) المفردة.

الأصوات المفخمة
الأصوات المفخمة في اللغة العربية يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أنواع :

  1. أصوات كاملة التفخيم، أو مفخمة من الدرجة الأولى، وهي الصاد (ص) والضاد (ض) والطاء (ط) والظاء (ظ) واللام المفخمة (ل).
  2. أصوات ذات تفخيم جزئي، أو مفخمة من الدرجة الاثنية، وهي الخاء (خ) والغين (غ) والقاف (ق).
  3. وت يفخم في مواقع ويرقق في موقع، وهو الراء (ر).  

العوامل في تطور اللغة العربية.
وقد أخذ التطور في أصوات اللغة العربية أشكالا متعددة وأدت إليه عوامل كثيرة منها :

  1. المماثلة : كما عرفها اللغويون : التعديلات التكيفية للصوت بسبب مجاورته – ولا نقول ملاصقته – لأصوات أخرى. وهي  أيضا تحول الفونيمات المتخالفة إلى متماثلة إما تماثلا جزئيا أو كليا.
  2. لمخالفة : فالمراد بها تعديل الصوت الموجود في سلسلة الكلام بتأثير صوت مجاور، ولكنه تعديل عكسي يؤدي إلى زيادة مدى الخلاف بين الصوتين. وهي ظاهرة تحدث بصور أقل من حدوث المماثلة.

فهنا مواصفات عامة للحروف العربية التي تحل مخارجها من أعضاء النطق:

  1. المهموسة الانفجارية : مثل : ت / ك / ب.
  2. المهموسة الاحتكاكية : مثل : ش / س / ث / ف.
  3. المهموسة المزدوجة : مثل : تْش.
  4. المجهورة الانفجارية : مثل : ب / د / الجيم القاهرية.
  5. المجهورة الاحتكاكية : مثل : ف / ذ / ز / الجيم الشامية.
  6. المجهورة المزدوجة : مثل : الجيم الفصيحة.
  7. الأصوات الأنفية : مثل : م / ن.
  8. الأصوات التكرارية والجانبية : مثل : ر / ل.
  9. الحركات الضيقة : مثل : الضمة والكسرة.
  10. أوضح الأصوات جميعا هي الحركات المتسعة كالفتحة المفخمة.
    المراجع
(1)  رمضان عبد التواب، المدخل إلى علم اللغة ومناهج البحث اللغوي، مكتبة الخانجي: القاهرة، ط2، 1985، ص 83.
(2) فردنا دي سوسير، محاضرات في علم اللسان العام، افريقيا الشرق : الدار البيضاء، 1987، ص 55.
(3)   تمام حسان، اللغة العربية معناها ومبناها، دار الثقافة : الدار البيضاء، د.ت، ص 49.
(4) لطيفة إبراهيم النجار، دور البنية الصرفية في وصف الظاهرة النحوية ةتقعيدها، دار البشير: عمان، 1994، ص 13.
(5)  أحمد مختار عمر، دراسة الصوت اللغوي، عالم الكتب : القاهرة، 1991، ص 161.
(6)  قد يحتوي الفونيم على عضو واحد أو بعبارة أخرى على أصوات متماثلة تقريبا، ولغرض عملي تعتبر غير متميزة.
(7)  ابن جني، سر صناعة الإعراب، ت: مصطفى السقا وآخرين، مطبعة السقا: القاهرة،

 


 
Laman ini terbaik dengan paparan Windows Explorer 800 x 600 piksel
hakcipta terpelihara© 2005-2006
Kolej Islam Antarabangsa Sultan Ismail Petra (KIAS) [ IPTS070-KP (JPS) 5195 / IPTS / 1007 ]